وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ

تعتبر طريقة البدايات معياراً لمدى الحماس والإقبال، لكن النهايات هي المقياس الحقيقي لنبل الأخلاق ومعادن البشر، وفي معترك الحياة، سواء في بيئة العمل، أو في مساحات الصداقة، أو حتى في العلاقات الإنسانية والشخصية، أثبتت التجربة أن تقاطع الطرق وانقطاع الأسباب أمر حتمي؛ فليس كل من يدخل حياتنا مقدراً له البقاء فيها إلى الأبد، غير أن السؤال الأهم ليس لماذا انتهت العلاقة؟ بل كيف انتهت؟.

 

وديننا لم يعتنِ فقط بكيفية تبادل الود وتأسيس الشراكات، بل وضع منهجاً أخلاقياً صارماً لكيفية الفراق عند انقطاعها، فكما أن للصحبة حقاً، فإن للفراق أدباً ومروءة.

 

عندما يرسم القرآن الكريم حدود العلاقات الإنسانية، يضع معياراً أسرهم وأعظمهم قَدْراً؛ وهو التسريح بإحسان، يقول الله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، وعلى الرغم من أن السياق الأصلي للآية نزل في تنظيم الحياة الزوجية، إلا أن القاعدة الأصولية والشاملة تتعدى التفسير الضيق لتعم كل أنواع الشراكات الإنسانية.

 

سواء كنت تنهي عقد عمل مع موظف، أو تفض شراكة تجارية، أو تبتعد عن صديق قديم لم تعد تجمعكما الأفكار والتوجهات، فإن الأخلاق تقتضي أن تُغلق الأبواب بهدوء ودون ضجيج، العقل والمروءة يُلزمانك ألا تنسى الأيام الجميلة أو الفضل الذي كان بينكم، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَنَسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].

 

من أشد العلامات حسماً في كشف نفاق القلوب وسوء المعادن هو الخصام بفجور، قال النبي ﷺ في صفات المنافق: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [رواه البخاري ومسلم]، الفجور في الخصومة يظهر عندما يتحول انتهاء العلاقة إلى دافع للانتقام، والافتراء، ونشر الشائعات، واختلاق الكذب للأذية والتشفّي.

 

في بيئة العمل، تجد بعض النفوس الضعيفة تبحث عن إلحاق الضرر بزميل سابق أو تشويه سمعته المهنية لمجرد اختلاف في وجهات النظر أو انتهاء عقده، وفي الصداقة، يعمد البعض إلى استغلال أسرار كانت يُستأمن عليها في زمن الود ليجعلها سلاحاً في زمن الجفاء!.

 

إن التبلي والافتراء من أعظم الكبائر عند الله، فقد حذر النبي ﷺ تحذيراً شديداً فقال: «وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» [رواه أبو داود] (وردغة الخبال هي عصارة أهل النار)، فخوف الله ومراقبته يجب أن تكون الحصن والمانع؛ فلا تجعل الخلاف يدفعك لتجاوز حدود الله.

 

عندما تقع ضحية لافتراء أو أذية عند انتهاء علاقة ما، وتجد أن المحاولات الإنسانية لإظهار الحقيقة قد لا تجدي نفعاً، فإن أعظم سلوى لقلب المؤمن هي التوجه إلى السماء وتفويض الأمر لله.

 

التفويض ليس ضعفاً ولا استسلاماً، بل هو ثقة بموازين العدل الإلهي التي لا تظلم أحداً، واستشعر في هذه اللحظات قول الله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44].

 

دع الله يأخذ لك حقك بطريقته وفي الوقت الذي يراه سبحانه؛ فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» [رواه البخاري]. اطمئن، فالأيام تدور، والحقوق لا تسقط بالتقادم عند قاضي السماء.

 

أفضل رد على الإساءة والأذية ليس الدخول في معارك جانبيّة تُنهك الطاقة وتضيع الوقت، بل هو التركيز الكامل على ذاتك وتحقيق نجاحاتك، إن الانشغال بردود الأفعال يمنح الطرف الآخر حجماً لا يستحقه، ويجعلك أسيراً لخصومتهم.

 

اعلم أن أثر النجاح المتواصل صامت لكنه أبلغ من ألف خطبة، استثمر وقتك وجهدك في تطوير مهاراتك، والارتقاء بمسارك المهني والروحي والشخصي، كما قيل: “خير انتقام هو أن تنجح وتتجاوز“.

 

اجعل عينيك متطلعتين للأمام دائماً؛ فالقطار الذي يتوقف عند كل كلب يعوي لن يصل إلى وجهته أبداً، دَعْ أفعالك وإنجازاتك تتحدث عنك، واترك لغبار الماضي أن ينقشع بذاته.

 

على الرغم من حتمية الفراق في بعض الأحيان، فإن أدب المؤمن يقتضي دائماً ترك باب للتصفية والتراضي وتقديم يد الخير، إن الصلح وإنهاء الخلافات بالتراضي –حتى وإن لم تعد العلاقة لسابق عهدها– هو سلوك الأقوياء والأنقياء.

 

قال الله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]، وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1]، تصفية الأمور المادية والمعنوية بالتراضي تزيل الحقد من القلوب وتجعل الطرفين يغادران بسلام داخلي.

 

إن المبادرة بتقديم يد الخير وتسوية النقاط الخلافية برقي، تفرغ الشحنات السلبية وتمنح الجميع إغلاقاً متزناً يريح النفوس، وحتى إن قوبلت يدك الممدودة بالرفض أو الجحود، فسيكفيك أنك بذلت السبب وأرضيت ربك.

 

إن سلامة الصدر عند الفراق هي العافية الحقيقية؛ أن تخرج من أي علاقة –مهما كانت مرارة نهايتها– بنقاء في قلبك، ونظافة في يدك، وكرامة في موقفك، كن الشخص الذي إذا ذكر في مجالس الماضي، قيل عنه: “رحل بسلام، ولم يُؤْذِ أحداً، وترك أثراً جميلاً“.

 

إن العلاقات الإنسانية والمهنية لا تنتهي لمجرد الانفصال، بل يبقى لها أثر ممتد في النفوس والواقع يجب مراعاته وحمايته، هذا الأثر قد يكون سمعة شخص، أو استقرار أسرة، أو مستقبلاً مهنياً، أو انطباعاً نفسياً يدوم سنوات.

 

مراعاة هذا الأثر تقتضي ألا يُسقِط الفراق ما تم بناؤه من حسن الظن والإنجازات السابقة، وفي بيئة العمل، مراعاة الأثر تعني تسليم المهام بأمانة وعدم إلحاق الضرر بالمؤسسة أو الزملاء بعد المغادرة، أما في الصداقة والعلاقات الاجتماعية، فمراعاة الأثر تعني الوفاء للذكريات الجميلة، وحفظ الغيبة، وعدم هدم البناء الإنساني الذي تشارك الطرفان في تشييده.

 

يقول الله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12]؛ فالإنسان مسؤول حتى عن الآثار والتداعيات التي تترتب على تصرفاته بعد رحيله، مراعاة الأثر هي الشفرة الأخلاقية التي تجعل الإنسان يترك خلفه سيرة عطرة، وأثراً حسناً يُذكر به بالخير لا بالسوء.

16 تعليق على “وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ

  1. عمر سبيه يقول:

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمآ كثيرا جزاك الله خير الجزاء

  2. دكتورة دينا البياتي يقول:

    يُشكل المقال ورقة تأصيلية ناجحة تدمج بين الحكمة الإدارية في إدارة الأزمات والعلاقات، والمنظومة القيمية التي تحكم السلوك الفردي والجماعي، مقدمةً نموذجاً راقياً لـ “إدارة الخلافات” بعيداً عن التشفي أو الهدم البنيوي للروابط.

  3. بندر الدبيان يقول:

    أحسنت وأصبت.
    أجمل ما في العلاقات ليس حسن بدايتها، بل حسن الخروج منها إذا كُتب لها أن تنتهي

    وأضيف أن الأخلاق الحقيقية لا تظهر حين تتفق النفوس، وإنما حين تختلف. فمن حفظ الود عند الخصومة، وكف لسانه عند الفراق، وستر العيوب بعد انقطاع الأسباب، فقد انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره.

    ويبقى أعظم امتحان للإنسان: أن يستطيع مغادرة حياة الآخرين دون أن يترك فيهم جرحاً، أو يهدم لهم سمعة، أو يلوث ذكرى كانت يوماً جميلة.

    فليس كل فراق خسارة، ولكن كل فراق بلا أخلاق هو الخسارة الحقيقية.

  4. أ.د محمد سعيد يقول:

    يتجلى في مقال د. مشعل طرحٌ إنسانيٌّ وشرعيٌّ راقٍ يلامس واقع العلاقات عند نهايتها، حيث تُقاس معادن البشر وأخلاقهم. فقد أبدع الكاتب في إبراز مفهوم “التسريح بإحسان” وتجاوز المعنى الضيق للآية ليشمل كافة الشراكات الإنسانية والمهنية. كما قدّم المقال علاجاً متكاملاً لمشاعِر الخيبة؛ بالجمع بين حفظ الفضل، والترفع عن الخصومة، وتفويض الأمر لله مع الاستمرار في النجاح. وأخيراً، يذكّرنا المقال بالمسؤولية الأخلاقية عن “الأثر” الذي نتركه خلفنا، محفّزاً على الخروج بنقاء صدر وسيرة عطرة.

  5. الإعلامية د أماني شوقي باشا يقول:

    مقال فيه رقي وأصالة يادكتور
    الحياة بطبعها صعبة يادكتور ولابد لنا من التنازل من أجل سير الحياة والتغاضي عن الأشخاص التي تسيئ لنا بالقول أو الفعل من أجل اهداف كثيرة عقيدتنا تحث عليها ولا نجعل الشيطان طرف بل نترك وقت لنسيان كل الخلافات ولا نتخذ قرارا في الغضب ونواجه ونبني ولا نهدم
    لو كل شخص استصعب أمر تركه أو فارق به لن تقم لنا دنيا ولا دين
    فالحكمة تقتضي الصبر في التعامل واحراج الطرف الذي يقول ماليس فينا من أجل أن ينظر في المرآة ليجد نفسه مخطئ ويجد الشيطان يقوده ويعود مره اخرى للصواب
    في حالة عدم العوده إذا هو لا يستحق الفرص وهو بالفعل خاسر

  6. محمد محمود خليفه يقول:

    د. مشعل ، بارك الله في حضرتك ، مقال أخلاقي هادف ، نحتاج جميعاً للأخذ به في حياتنا العملية حتى نحقق لأنفسنا مزيداً من التفوق مع الراحة النفسية.

  7. أ. د/حنان فوزي أبوالعلا دسوقي يقول:

    ما شاء الله طرح رائع معالي الدكتور، نفع الله بكم، اللهم آمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *