وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا

عندما يكون خرق السفينة لغرق أهلها، قمة المعروف.

عندما يكون قتل الغلام بغير نفس، قمة الرحمة.

عندما يكون اقامة جدار لأناس رفضوا ان يضيفهما قمة الوفاء.

 

حين التقى نبي الله موسى بالعبد الصالح (الخضر) في رحلتهما المشهورة، بادر الخضر بشرطٍ أساسي للمرافقة، لخصته الآية الكريمة: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} (الكهف: 68).

 

هذه الآية ليست مجرد حوار تاريخي في كتاب الله، بل هي “قاعدة نفسية واجتماعية عميقة” تفسر لنا أعقد معادلات الحياة: “العلاقة بين ضيق علم الإنسان المحدود، وحكمة الله المطلقة”.

 

العجز عن الصبر في مواجهة الابتلاءات والضوائق الاجتماعية والمادية غالبًا ما ينبع من “قصور الرؤية”، فالإنسان بطبعه يستعجل النتائج، ويقيس الأمور بظاهرها الدنيوي المباشر، فنحن نرى الثقب، والله يرى اللوحة، مثلاً، فقدان الوظيفة، يراه الإنسان فقرًا، وقد يكون إنقاذًا من بيئة سامة أو تمهيدًا لرزق أوسع، وتأخر الأمنيات (زواج، ذرية، نجاح) يراه الإنسان حرمانًا، وهو في علم الله حماية وتوقيت مثالي، والمرض أو الفقد، يراه الإنسان ألمًا محضًا، بينما هو في حقيقته تطهير للروح ورفع للدرجات.

 

خاطرة (أنت لا تملك “الخبرة” الكاملة بمآلات الأمور، فكيف تحكم على نهاية قصة لم تقرأ منها إلا سطرًا واحدًا؟).

 

عندما تضيق بنا الدنيا، نحتاج إلى تحويل هذا الفهم القرآني إلى سلوكيات اجتماعية ونفسية حية، كـ التسليم الواعي، لا الاستسلام اليائس، فالصبر ليس بكاءً وعجزًا، بل هو ثبات القلب وثقة بأن التدبير الإلهي يجري وراء الكواليس لصالحك، وكف لسان الشكوى، التذمر المستمر ينشر الطاقة السلبية في المحيط الاجتماعي ويُضعف الروابط، ركّز على البحث عن الحلول مع يقينك بالفرج، واليقين بالتعويض، الله سبحانه وتعالى لا يأخذ ليعذب، بل يأخذ ليعطي أفضل مما أخذ، فالتعويض قادم لا محالة، إما بتبدل الحال في الدنيا، أو باكتفاء النفس ورضاها، أو بالأجر العظيم المذخور في الآخرة.

 

إذا أحاطت بك ضوائق الدنيا، وتكالبت عليك الهموم، وشعرت أن الأبواب مغلقة، تذكر دائمًا سياق هذه الآية.

 

أنت لا تحيط بخبر الصباح الصادق الذي يعقب الليل المظلم، اترك التدبير لمن بيده ملكوت كل شيء، وقل لقلبك بثقة، “ما أصابك ما كان ليخطئك وما أخطأك ما كان ليصيبك”.

35 تعليق على “وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا

  1. أ. د / حنان فوزي أبوالعلا دسوقي يقول:

    أحسنت الكتابة أخونا الكريم أ. د/مشعل
    تدبر حكيم بأسلوب بليغ ما شاء الله

  2. نبيلة قشطى يقول:

    جزاك الله خيرًا على هذا الطرح العميق الذي لامس القلوب قبل العقول، اختيارك لهذا الموضوع د. مشعل في زمنٍ ضاقت فيه صدور الناس وتعجّلت فيه النفوس هو اختيار موفق ينمّ عن بصيرة وحكمة حضرتك وضعت يدك على جرحٍ غائر في واقعنا وهو “قصور الرؤية” الذي يجعلنا نحكم على الثقب وننسى أننا لا نرى اللوحة كاملة فمقالك سيدي لم يكن مجرد تذكير بآية بل ترميمًا نفسيًا لقارئٍ أنهكته الظواهر فشكرًا لك على هذا الغوص في معاني القرآن وربطها بواقعنا الاجتماعي المنهك، ما شاء الله د. مشعل مقال يوزن بالذهب فعلا فشكرًا لك على اختيار هذا الموضوع العميق في وقت كثر فيه التذمر وقلّ فيه اليقين وربطك بين قصة الخضر وهمومنا اليومية أعاد ترتيب زاوية الرؤية فعلًا نحتاج لمن يذكّرنا أن التسليم الواعي ليس استسلامًا وأن التعويض الإلهي حتمي
    أجدت سيدي حين ربطت بين مواقف الخضر الثلاثة وابتلاءات حياتنا اليومية فكم من خرقٍ في سفن أرزاقنا كان هو طوق النجاة من غرقٍ أعظم وكم من “قتلٍ” لأحلامٍ ظنناها حياةً كان رحمةً بنا من مستقبل مظلم وكم من جدارٍ أُقيم لنا ونحن نُمنع الضيافة كان هو الحفظ لأرزاقٍ مؤجلة لم يحن أوانها.
    أكثر ما شدّني في مقالك هو تفريقك البديع بين “التسليم الواعي” و”الاستسلام اليائس”؛ نعم الصبر ليس انكسارًا نُشيعه بالشكوى بل هو شموخُ يقينٍ يعلم أن ما وراء الستار حكمة وأن المدبّر هو اللطيف الخبير وهذه هي القاعدة النفسية التي نحتاج أن نعلّقها على جدران بيوتنا وقلوبنا نحن لا نقرأ إلا سطرًا فكيف نحكم على رواية لم يكتب الله نهايتها بعد؟
    لا تحرمنا من هذا النوع من الطرح الذي يوقظ القلب استمر في هذه الموضوعات التي تبني الإنسان من الداخل فالكلمة الصادقة التي تربط العبد بربه وتشرح صدره هي من أعظم الصدقات ونحن اليوم أحوج ما نكون لمن يذكّرنا أن التعويض قادم لا محالة وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا بارك الله في قلمك وزادك فهماً وخبرةً بما يُحيط به علم الله ونفع بك.

  3. د. ريم عبدالقادر جوبان يقول:

    الله المستعان به …. فالرؤية البشرية قصيرة النظر لكن الإحكام العقلي والبصيرة القلبية بحكمة الله في الشؤون كلها هو ما نفتقده … (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
    الله يجزيك الخير عنا دكتور …

  4. أ.د حياة نياز يقول:

    قراءة عميقة وتأمل راقٍ يمس القلوب والعقول معاً، لقد وفّقت دكتور مشعل في ربط النص القرآني بأبعاد نفسية واجتماعية نحتاجها جميعاً كمنهج حياة وعمل. التسليم الواعي واليقين بمآلات الأمور هما أساس الاستقرار الفكري والإنساني. بوركت الفكرة والقلم، ودام عطاؤك الفكري .

  5. Aya Elshafey يقول:

    جزاك الله كل خير يادكتور ..طرح رائع
    ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ نسعى ونجتهد ونخطط، لكن يبقى التسليم لله أجمل ما يطمئن القلب فلا أحد يعلم ما يحمله الغد، ورب خير أخفاه الله لنا خلف تأخير ظنناه حرمانا 🌿

  6. امل مندراوي يقول:

    سلمت أناملگ على هذا الطرح الجميل والتفسير السلس والدقيق، لأمر نعبر به اسبوعياً و ربما الكثير لم يتعمقوا بالتفسير او الرؤيا الجانبيه للمواقف ، نسأل الله تعالى أن ينير بصيرتنا دائماً ويفقهنا بالدين و يعلق قلوبنا بالأخرة ويجعل مسعانا للرضى الله منآل الجنة

  7. محسن الدوسري يقول:

    [فمَا ظَنّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين]

    إذا سُــدَّتِ الأبواب ألقيتُ حاجتي
    إلى مَالِكِ الحــاجـاتِ غُـرٌّ نوائلُهْ

    وإن جارت الأحوال آوت مطيتي
    إلى ركنه فاستبْدَرتْها شمائلُـهْ

    له الخيرُ منه الخيرُ والخيرُ كُلُّه
    إليه وتزهو في يديه خمائلُــهْ

    مقال ثري يلامس القلوب، شكرا لك د. مشعل

  8. دينا عدنان البياتي يقول:

    يستحق الدكتور الناشر كل التقدير على جهوده العلمية والثقافية المتميزة في انتقاء ونشر المواد الهادفة، بما يعكس رؤيته الأكاديمية الواعية وحرصه على إثراء الساحة الفكرية بمحتوى رصين يجمع بين الفائدة العلمية والأثر التربوي.

  9. سرمد سامي القيسي يقول:

    يُعد هذا المقال إضافة معرفية متميزة، لما تضمنه من عمق في الفهم وحسن في الاستنباط وربطٍ موفق بين الهدي القرآني وواقع الحياة المعاصرة. كما اتسم بالوضوح والإيجاز مع المحافظة على قوة الطرح وأثره التربوي.

  10. حسين حمزه علي الأفندي إعلامي ومحرر اخبار يقول:

    سلمت يداك يا دكتور ٠ طرح رائع جدا لمفهوم تدبر الأمر وتركه لله نحن نسعى ونجتهد ولكن لا نعلم ما يحمله لنا الغد من مفاجئات، وأن ما يخفيه لنا الله من تأخير ما هو إلا خير عظيم لانعلمه نحن البشر وحكمه بالغه من الله لعباده شكرا لكم دكتور مشعل على هذا الطرح ونسأل الله لكم التوفيق والسداد وتقديم المزيد ٠٠

  11. آمال عتيبة يقول:

    ماشاء الله تبارك الرحمن.. سرد راقي بنفحات إيمانية وتجليات نورانية.. قيم مستنبطة من وحي السماء .. حري بنا أن نتفهمها ونغوص في معانيها السامية ونتمثلها في سلوكياتنا لننعم بالراحة والأمان والسكينة..
    دمت للألق والإبداع وداما لك وسلم مداد قلمك وسلمت من كل شر.💐

  12. eslam hammam يقول:

    جزاكم الله خيرا يا دكتور احسنت النشر بارك الله فيك فعلا الله يدبر الأمر من السماء إلى الأرض

  13. د. مدحت فرحات يقول:

    لانضب معينك دكتورنا الفاضل ولاجف مداد قلمك ابدا ،فعلا هذه الآيات تصيغ و ترسم المبادىء ومنها أن العبرة ليست بالظواهر ولكن بما يكمن فى الباطن

  14. د. سيدة مأمون سليمان يقول:

    شكرا للكاتب الدكتور على هذا الطرح المميز والتأمل العميق في معاني الآية الكريمة. كلمات ملهمة تزرع الطمأنينة وتعزز الثقة بحكمة الله وتدبيره. بارك الله فيكم ونفع بكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *