تُعدّ الخيانة بعد إعطاء الأمان من أشدّ العيوب أثراً في النفس الإنسانية؛ إذ تكسر أثمن ما يُبنى بين البشر وهو “الثقة”، فحين تُعطي خصمك الأمان، فأنت لا تُقدّم له مجرد عهد شفاهي، بل ترفعه إلى مقام يُلزمك ويُلزمه بحرمة الدم والعرض والمال، فإن كان الجواب عن هذا اللطف والموقِف النبيل غدراً وطعناً في الظهر، فقد اجتمعت خيطان من أسوأ خصال البشر: الخيانة ودناءة الغدر، ولقد جاء الإسلام بمبادئ أخلاقية سامية تُعلي من شأن العهود وإعطاء الأمان، حتى للخصوم والأعداء في أوقات الحرب والنزاع، فلم يقتصر هذا الأمر على الأصدقاء، بل تعدّاه إلى كل من استأمنك.
ويقول الله تعالى في كتاب العزيز محذّراً من خيانة العهود ومُؤكداً على لزوم وفائها: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91)، وكما أوجب الله تعالى إجارة المستجير وأمان من طلب الأمان حتى لو كان من المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: 6).
وبيّن النبي ﷺ أن إعطاء الأمان حقّ مُعظّم، وأن من أعطى الأمان لخصمه أو عدوه فقد وجب على الأمة احترام هذا الأمان، حيث قال ﷺ: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (رواه البخاري ومسلم)، وهذا يعني أن أمان أي فرد من المسلمين للخصم يُعدّ عهداً يلتزم به الجميع ولا يجوز نقضه.
فحين ينال الخصم الأمان، تتحول العلاقة بين الطرفين من حالة الصراع والمخافة إلى حالة العهد والمسؤولية الأخلاقية. ويترتب على الخصم، الوفاء الكامل بالعهد، وأن يُقابِل الأمان بالأمان، فلا يُضمر شراً ولا يُبيّت غدراً، وحفظ الجماد واللسان، فأن يلتزم بعدم الاعتداء على من أَمَّنه لا بيده ولا بلسانه ولا بسعيه لإلحاق الضرر به، وحفظ المعروف ورد الإحسان، فإعطاء الأمان موقف نبيل ينمّ عن مروءة، والواجب الإنساني والديني يُملي على الخصم أن يعترف بهذا الفضل ويكفّ أذاه.
وليس هناك ما هو أشدّ شناعة في معايير الفطرة والمروءة من أن يستغلّ الإنسان “درع الأمان” الذي مُنح له ليتخذه سيفاً يطلي به ظهر من آمنه، إن استغلال ثقة الطرف الآخر وحسن ظنه وإسقاطه لدفاعاته هو سلوك الجبناء؛ فالشجاع يواجه في الميدان ويثبت عند الخصومة، أما الجبان الخسيس فينتظر حتى يطمئن له خصمه ويضع سلاحه، ثم ينقضّ عليه ليقتله في غفلته.
إن أذية من أمّنك هي جريمة مُضاعفة، الأولى، جرم الأذية والاعتداء في حد ذاته، والثانية، خيانة الميثاق وغدر الصدر الذي انفتح لك بالسلام، فحين تتخذ من اطمئنان صاحبك أو خصمك فرصة لترتيب المكائد أو إلحاق الضرر به –سواء كان ضرراً مادياً، أو معنوياً، أو تشويهاً لسمعته، أو نقضاً للعهود السرية– فأنت تنزع عن نفسك صفة المروءة والإنسانية، وتتحول إلى مصدر خطر يهدد السلم البشري؛ لأن الغادر باستغلال الأمان يقطع أسباب الخير بين الناس ويجعلهم يتشافرون ولا يطمئن بعضهم لبعض.
والغدر بالعهد بعد أخذ الأمان يُعتبر من أكبر الكبائر في الشريعة الإسلامية وأقبح الصفات في العُرف الإنساني، فالذي يطعن من استأمنه إنما يُبرهن على ضعف مخافته لله وخسّة طباعه، فقد شدد النبي ﷺ التحذير من الغدر خُصوصاً لمن أُعطي الأمان، فقال ﷺ: «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، كما جعل النبي ﷺ الغدر علامة بارزة من علامات النفاق، بل وإن الغادر يُرفع له لواء يوم القيامة يُفضحه بين الخلائق «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» (رواه مسلم).
إن الطعنة التي تجيئك من خصمٍ أمنته قد تُحدث جرحاً عميقاً في النفس، ولكنها تُظهر فرق الخُلق بين طرفين، فطرفٍ تصرّف بمروءة وأخلاق الفرسان فأعطى الأمان، وطرفٍ اختار الخيانة وسلوك الغدر، ويبقى أجرُ من عفا وأمَّنَ محفوظاً عند الله، بينما يتحمّل الغادر إثم غدره وخزي خيانته في الدنيا والآخرة.


مقال أكثر من رائع يوضح العديد من المشاكل التى تتعرض لها في العلاقات الاجتماعية
مقال رائع يحمل رؤيه عميقة لتحليل مشاكل العلاقات الاجتماعية
صدقت، فالخيانة بعد الأمان ليست مجرد خطأ عابر، بل طعنة تأتي من المكان الذي ظنناه أكثر أمانًا. وما يؤلم فيها ليس فقدان الثقة فقط، بل أن منحت شخصًا فرصة ليحفظك فاختار أن يؤذيك. لذلك بعض الخيانات لا تُنسى، حتى وإن غُفرت، لأن أثرها يبقى في النفس طويلًا
بوركتم وبوركت كتاباتكم د. مشعل، رؤية تحليلية لآفة اجتماعية باتت ظاهرة للأسف ،عافانا الله وعافاكم منها
مقال عصري لائق فائق الروعة
وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (الفرقان 20)
بالتوفيق الدائم مقال رائع جدا
مقال علمي رصين يعكس عمق الطرح ونضج الرؤية لدى الدكتور، ويؤكد قدرته المتميزة على معالجة القضايا الأخلاقية والإنسانية بأسلوب يجمع بين التأصيل العلمي والبعد القيمي. طرحٌ راقٍ يثري الوعي، ويجسّد حضورًا أكاديميًا متميزًا وفكرًا يستحق التقدير والاحترام. بارك الله في علمكم وعطائكم، دكتورنا الفاضل، ومزيدًا من الإبداع والتميز العلمي.
مقال رائع في زمن انتشر فيه الغدر
دام العطاء و مزيد من كتاباتك الراقية
مقال ممتاز وهذا هو الواقع
رؤية تحليلية صحيحة
الخيانة بعد الأمان ليست مجرد خطأ في السلوك، بل سقوطٌ أخلاقي يكشف معدن الإنسان حين تُرفع عنه الحاجة إلى التظاهر. فالأمان ميثاق، والثقة أمانة، ومن جعل من ثقة الآخرين به فرصةً للإيذاء، فقد خان أكثر من شخص؛ خان قيمةً إنسانيةً اسمها المروءة.
والأقسى أن الغادر لا يطعن من أمامه فحسب، بل يطعن المعنى النبيل الذي جعله جديرًا بالثقة يومًا. لذلك كانت المروءة أن تحفظ ظهر من ائتمنك، حتى حين تختلف معه، وأن يكون اختلافك معه في وضوح وشرف، لا في خفاء وغدر.
فالخصومة لا تُسقط الأخلاق، والاختلاف لا يُبيح الخيانة، والقوة الحقيقية ليست في أن تستغل لحظة ضعف من وثق بك، وإنما في أن تملك القدرة على الأذى ثم تختار ألّا تؤذي. تلك هي الفروسية الحقيقية… وما عداها مجرد غدرٍ يرتدي ثوب القوة.
كتب الله لكم الأجر ؛؛؛
وبارك لكم النشر.
تقبَّل الله ما سطَّرتَ من دُرَرٍ ***
وزادك الله توفيقًا وإحسانا.🌷
ودام نشْرُك أعوامًا وأزمنةً***
وأنت أسعدُ خلق الله إنسانا.🌷
موضوع مهم جدا في هذه الأيام حيث الأيام حيث اختلط الحابل بالنابل وكثرة الخيانة وعدم الوفاء بالعهود بارك الله فيكم ولكم ونفع بكم
ماشاءالله عليك ابن عمي مقال في قمة الروعه
طول عمرك مميز
وفقك الله