في عالم الأعمال شديد التسارع، قد تفرض الظروف على إدارة المنشأة أو صاحب العمل اتخاذ قرار باستبعاد موظف أو إنهاء عقد عمله، هذا القرار، وإن كان في أصله إجراءً إدارياً أو قانونياً يحق للمنشأة ممارسته، إلا أنه يتجاوز حدود الورق واللوائح؛ فهو يمس حقيقة كائن بشري، له أسرة، وتطلعات، والتزامات مالية لا ترحم.
إن الوظيفة بالنسبة للموظف هي مصدر الرزق الأساسي الذي يستند عليه بعد الله لتدبير شؤون حياته، وعندما يُقطع هذا الشريان فجأة، فإن الأمر لا يتوقف عند خسارة دخل شهري، بل يتعداه إلى إرباك شامل لتفاصيل حياته اليومية، وتكدير لروحه ونفسيته.
من أكبر الأخطاء التي تقع فيها بعض الإدارات هو التعامل مع الموظف كأنه مجرد آلة أو جهاز يتم تشغيله واستخدامه ما دامت الحاجة قائمة، ثم “تفيئته” وإلقاؤه جانباً فور انتهاء المصلحة!
إن التعامل الإنساني مع الموظفين ليس منّة ولا تفضلاً، بل هو واجب أخلاقي وديني، والسلطة التي يمتلكها صاحب العمل أو المدير ليست أداة للتسلط والتجبّر، بل هي أمانة ومسؤولية حثيثة أمام الله سبحانه وتعالى.
تذكر دائماً: صاحب الصلاحية الحقيقي هو من يجمع بين قوة القرار ورحمة التعامل، ولا تجعل الكرسي يُنسيك أن دوام الحال من المحال.
لقد وضع الإسلام قواعد راقية جداً في التعامل مع العمال والموظفين، وأمر بالإحسان والرفق في كل شيء، حتى في لحظات إنهاء العمل أو الفراق، فالرفق واللين في القول والفعل، لقول رسول الله ﷺ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ» (رواه مسلم)، وإن إبلاغ الموظف بقرار إنهاء العقد بأسلوب هادئ ومحترم وبمدة زمنية مناسبة، يخفف كثيراً من وطأة القرار على نفسه.
وأعظم ما يجب أن يراعيه صاحب العمل هو مخافة الله في حقوق الموظف المالية (مكافأة نهاية الخدمة، رواتبه، مستحقات الإجازات). المماطلة أو بخس الحقوق ظلم ظلمات يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء: 183)، وكما قال الرسول ﷺ في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: «ثَلاثَةٌ أنَا خَصْمُهُمْ يَومَ القِيامَةِ… وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (رواه البخاري).
لكي تستشعر حجم المسؤولية، اعكس الأدوار لدقيقة واحدة: “ماذا لو كنت أنت الموظف والمقال اليوم؟ كيف تحب أن يُتعامل معك؟”، إذا فرضت الظروف ضرورة إنهاء العقد، فهناك سلوكيات إنسانية تجعل من هذه اللحظة لحظة تقدير لا لحظة إهانة:
• مراعاة المشاعر: التحدث مع الموظف في جلسة خاصة بأسلوب راقٍ، وشكره على ما قدمه خلال فترة عمله، والثناء على جهوده أمام زملائه ليبقى مرفوع الرأس.
• إعطاء مهلة كافية: عدم مفاجأة الموظف بإنهاء عقده فوراً وطرده في نفس اليوم؛ بل إعطاؤه مهلة زمنية تمكنه من ترتيب أوراقه البحث عن فرصة عمل أخرى.
• تسهيل الانتقال: تقديم شهادة خبرة منصفة، وخطاب توصية يسهم في إيجاد وظيفة جديدة، وتسهيل الإجراءات الإدارية دون تعقيد.
• مراعاة الالتزامات المالية: تسليم كافة مستحقاته فوراً وبشكل كامل لتغطية التزاماته الأسرية والمعيشية دون أن يضطر للانتظار أو الملاحقة القانونية.
إن القلوب أوعية، ودعوة المظلوم أو المكسور ليس بينها وبين الله حجاب، قد تتغير المناصب، وربما تتبدل الأيام فيصبح الأجير سيداً والسيد أجيراً، لكن ما يبقى هو الأثر الطيب والذكر الحسن.
فليتقِ الله كل من وُلّي أمراً من أمور الناس، وليتذكر أن جبر الخواطر عند الفراق شيمة النبلاء، وأن رحمة العباد سببٌ في تنزّل رحمة رب العباد؛ قال ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».


بارك الله فيكم
هذة شروط الانسانية…لمن يفهم ويعى….جزاءك اللة خيرا على هذا الكلام الطيب فى فن التعامل
الف شكر د مشعل على هذا الطرح الجميل والمميز من حضرتك مزيدا من التقدم والنجاح
ممتاز بارك الله فيك اسال الله ان يراها كل مسئول
مقال رائع سلمت أناملك دمشعل
الفراق الوظيفي ليس نهاية الطريق بل هو انتقال من مرحلة إلى أخرى تبقى الأخلاق والإنجاز وحسن التعامل هي الأثر الحقيقي الذي يتركه الإنسان خلفه أسأل الله أن يكتب لكل راحل خيرا فيما هو قادم وأن يبارك لمن بقي في عمله فالأرزاق بيد الله وكل نهاية تحمل بداية جديدة بإذن الله
ليس العدل أن تملك قرار إنهاء خدمة موظف، بل العدل أن تمارس هذا القرار بضمير وإنصاف. فخلف كل موظف أسرة تنتظر، والتزامات لا ترحم، وأحلام بُنيت على مصدر رزقه. القوة الحقيقية ليست في توقيع قرار الاستبعاد، وإنما في حفظ الكرامة، وصون الحقوق، والرفق في الموقف. فالكرسي لا يدوم، والصلاحيات تزول، ويبقى عند الله سجلٌ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة. ومن أحسن إلى الناس أحسن الله إليه، ومن ظلمهم فليتذكر أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
#القادم_أجمل
ما أجمل هذا الطرح الإنساني الراقي فالقوانين واللوائح تنظم العلاقة بين صاحب العمل والموظف لكنها لا تستطيع أن تزرع الرحمة في القلوب أو أن تفرض حسن المعاملة واحترام المشاعر نجح المقال في تذكيرنا بأن المناصب زائلة وأن الكلمة الطيبة والموقف النبيل هما ما يبقى في ذاكرة الناس وأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تقترن بالرحمة والإنصاف
بوركت هذه الكلمات الصادقة فليس كل فراق خسارة ولكن الخسارة الحقيقية هي أن نفقد إنسانيتنا ونحن نمارس صلاحياتنا🌹🤍
ابدعتم كعادتكم دكتور لا شلت أناملكم ولا حرمنا الله من قلمكم
ماشاءالله عليك ياابن عمي
طول عمرك مبدع بصراحه
مقال جميل ويستحق القراءة، وأضيف عليه نقطة مهمة.
ليس كل قرار بإنهاء خدمة موظف يعد ظلما، فقد تفرضه مصلحة العمل أو ضعف الأداء أو ظروف المنشأة، لكن الفرق الحقيقي ليس في القرار نفسه، وإنما في الطريقة التي ينفذ بها.
فالإنسان قد يتقبل قرار الاستغناء، لكنه لا ينسى أبدا كيف عومل في تلك اللحظة.
الكلمة الطيبة، وحفظ الكرامة، وإنصاف الحقوق، وشكر ما قدمه الموظف، ومنحه الوقت الكافي لترتيب أموره، كلها مواقف تعكس أخلاق الإدارة قبل أن تعكس صلاحياتها.
فالعدل واجب، والإحسان خلق، ومن جمع بينهما فقد أدى الأمانة، وترك أثرا طيبا لا تنساه القلوب
👌🏽
«مقال قيم يتناول زاوية حرجَة في إدارة الموارد البشرية. إن دمج “العدالة التفاعلية” والإنسانية في إجراءات إنهاء الخدمة لا يحفظ كرامة الموظف فحسب، بل يصون سمعة المنشأة المؤسسية (Employer Branding) ويعزز ثقة الكادر الحالي. طرحٌ راقٍ يذكّر بأن القيادة الحقيقية تظهر في لحظات الفراق كما تظهر في لحظات التمكين. بارك الله في جهودكم دكتور مشعل.»
صدقت يا دكتور …مقال أكثر من رائع